ابن كثير

538

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

[ الحج : 37 ] وهو غني عن جميع خلقه وجميع خلقه فقراء إليه ، وهو واسع الفضل ، لا ينفد ما لديه ، فمن تصدق بصدقة من كسب طيب ، فليعلم أن اللّه غني واسع العطاء ، كريم جواد ، ويجزيه بها ، ويضاعفها له أضعافا كثيرة ، من يقرض غير عديم ولا ظلوم ، وهو الحميد أي المحمود في جميع أفعاله وأقواله وشرعه وقدره ، لا إله إلا هو ، ولا رب سواه . وقوله : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا هناد بن السري ، حدثنا أبو الأحوص ، عن عطاء بن السائب ، عن مرة الهمداني ، عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن للشيطان للمّة بابن آدم وللملك لمة « 1 » ، فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ، وأما لمة الملك فإيعاد بالخير والتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فليعلم أنه من اللّه ، فليحمد اللّه ، ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان » ثم قرأ الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا الآية ، وهكذا رواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننهما جميعا ، عن هناد بن السري . وأخرجه ابن حبان في صحيحه ، عن أبي يعلى الموصلي ، عن هناد به ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وهو حديث أبي الأحوص ، يعني سلام بن سليم ، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديثه ، كذا قال وقد رواه أبو بكر بن مردويه في تفسيره ، عن محمد بن أحمد ؛ عن محمد بن عبد اللّه بن وستة ، عن هارون الفروي ، عن أبي ضمرة ، عن ابن شهاب ، عن عبيد اللّه بن عبد اللّه ، عن ابن مسعود مرفوعا نحوه ؛ ولكن رواه مسعر عن عطاء بن السائب ، عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة ، عن ابن مسعود ، فجعله من قوله ، واللّه أعلم . ومعنى قول تعالى : الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ أي يخوفكم الفقر لتمسكوا ما بأيديكم فلا تنفقوه في مرضاة اللّه . وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي مع نهيه إياكم عن الإنفاق خشية الإملاق ، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم ومخالفة الخلاق ، قال تعالى : وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ أي في مقابلة ما أمركم الشيطان بالفحشاء . وَفَضْلًا أي في مقابلة ما خوفكم الشيطان من الفقر وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ وقوله : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : يعني المعرفة بالقرآن ، ناسخه ومنسوخه ، ومحكمه ومتشابهه ، ومقدمه ومؤخره ، وحلاله وحرامه ، وأمثاله ، وروى جويبر عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا « الحكمة القرآن » يعني تفسيره ، قال ابن عباس : فإنه قد قرأه البر والفاجر ، رواه ابن مردويه ، وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يعني بالحكمة الإصابة في القول ، وقال ليث بن أبي سليم ، عن مجاهد يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ : ليست بالنبوة ، ولكنه العلم والفقه والقرآن ، وقال أبو العالية : الحكمة خشية اللّه ، فإن خشية اللّه رأس

--> ( 1 ) اللمّة : التهمّة والخطرة في القلب ، أو الدنوّ .